د.خالد فواز

الليثيوم.. المعدن الذى يتصارع عليه العالم!!

يُعدّ الليثيوم من أهم المعادن الصناعية في العصر الحديث، إذ ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بالتكنولوجيا المتقدمة والتقدم الصناعي المتوقع خلال العقود القادمة، وتنبع أهميته من كونه عنصرًا محوريًا في الطاقة النظيفة، وأحد البدائل الاستراتيجية للوقود الأحفوري، لما له من دور فعّال في تقليل الانبعاثات الكربونية، والحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، والمساهمة في مواجهة التغير المناخي.

الليثيوم هو عنصر كيميائي ينتمي إلى مجموعة الفلزات القلوية، ويتميّز بخفة وزنه الشديدة، وارتفاع قابليته للتفاعل، إضافة إلى قدرته الكبيرة على تخزين الطاقة، وتكمن أهم خصائصه في قدرته على تخزين أكبر قدر من الشحنات الكهربائية، ما جعله المكوّن الأساسي في بطاريات أيونات الليثيوم المستخدمة في السيارات الكهربائية، وأجهزة الحاسوب المحمولة، والهواتف الذكية، وغيرها من الأجهزة الإلكترونية الحديثة.

ويدخل الليثيوم في عدة صناعات استراتيجية، من أبرزها الصناعات التكنولوجية المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، وتوربينات طاقة الرياح، وصناعة السيارات الكهربائية، حيث أصبح يمثل عنصرًا من عناصر أمن الطاقة لدى العديد من الدول.. كما يُستخدم طبيًا في علاج بعض حالات الاضطرابات النفسية، ويدخل في صناعة الزجاج والسيراميك لما يتمتع به من قدرة على خفض درجة الانصهار وزيادة المتانة والثبات.. إلى جانب ذلك، يُستخدم الليثيوم في صناعات الطيران والتسليح العسكري، وكذلك في الصناعة النووية، حيث يُستخرج منه نظير يدخل في عمليات إنتاج الطاقة النووية، ما يجعله جزءًا من منظومة الطاقة الاستراتيجية عالميًا.

ويرتبط الليثيوم أيضًا بعدد من المعادن الأرضية النادرة مثل النيوديميوم، والساماريوم، والديسبروسيوم، والسيريوم، والتي تُعد مكملة له في الصناعات التكنولوجية والعسكرية المتقدمة.. أما من الناحية التاريخية، فقد تم اكتشاف الليثيوم عام 1817 على يد العالم السويدي يوهان أوغست أرفيدسون، إلا أن استخدامه الصناعي الواسع لم يبدأ إلا بعد نحو 170 عامًا من اكتشافه.

وكانت الانطلاقة الحقيقية لاستخدامه في مجال التكنولوجيا عام 1991، عندما قامت شركة سونى بتطوير أول بطارية تعتمد على أيونات الليثيوم لاستخدامها في كاميرات الفيديو، بهدف إطالة مدة التشغيل، ومنذ ذلك الحين توسّع استخدام الليثيوم في مختلف المجالات الصناعية والتكنولوجية.

وتُعد الأرجنتين وأستراليا والصين من أكبر الدول المنتجة والمستخدمة لليثيوم عالميًا.. إلا أن الصين تهيمن بشكل خاص على عمليات التكرير، حيث تقوم بتكرير ما يقارب 60–62% من الليثيوم عالميًا، بينما لا تتجاوز نسبة الإنتاج الخام من الصخور الصلبة أو المياه المالحة نحو 22% خارج السيطرة الصينية، ما يمنحها نفوذًا استراتيجيًا في سلاسل الإمداد العالمية.

كما تتواجد احتياطيات من الليثيوم في دول مثل السويد والبرازيل وزيمبابوي، إضافة إلى وجوده بنسب محدودة في بعض الدول العربية مثل المغرب والسعودية. وتشير بعض الدراسات إلى احتمالات وجوده في مناطق مثل الصحراء الغربية في مصر، وأجزاء من الجزائر والمغرب، إلا أن عمليات الاكتشاف والاستخراج والتكرير في هذه المناطق لا تزال مرتفعة التكلفة، وتحتاج إلى استثمارات ضخمة وتكنولوجيا متقدمة.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن الليثيوم لم يعد مجرد معدن صناعي، بل أصبح عنصرًا استراتيجيًا يرتبط بأمن الطاقة، والتكنولوجيا الحديثة، والصراع الاقتصادي الدولي، ويُتوقع أن يزداد وزنه الجيوسياسي والاقتصادي خلال السنوات القادمة.

تُظهر خريطة سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الاستراتيجية، وعلى رأسها الليثيوم، أن القوة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الخام فقط، بل في السيطرة على مراحل التكرير والتصنيع والتخزين والتوزيع.. وفي هذا السياق، استطاعت الصين أن تفرض هيمنتها الدولية من خلال امتلاكها منظومة متكاملة تشمل الاستخراج، والتكرير، وتصنيع البطاريات، وتسويق المنتجات داخل أسواقها وخارجها، وهو ما منحها نفوذًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا واسعًا، رغم أن احتياطاتها الطبيعية من الليثيوم ليست الأكبر عالميًا.

وعلى النقيض، ورغم القدرات الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة للولايات المتحدة، فإنها لا تمتلك سوى كميات محدودة من الليثيوم الخام، المستخرج من بعض المعادن مثل السبودومينيت، ما يجعلها في جانب كبير من الصناعات الحديثة معتمدة على سلاسل الإمداد الخارجية.. ويؤكد ذلك أن المرحلة الحاسمة في القيمة المضافة ليست الاستخراج، وإنما التكرير والتصنيع المتقدم، وهي الحلقة التي تسيطر عليها الصين بصورة شبه كاملة.. ومن هنا، يبرز تكرير المعادن النادرة باعتباره مجال الاستثمار المستقبلي الأكثر أهمية، وفرصة استراتيجية حقيقية للدول العربية، وبوجه خاص مصر، للانخراط الفاعل في سلاسل الإمداد العالمية.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء مناطق صناعية متخصصة تُمنح فيها حوافز استثمارية مدروسة، مثل تخصيص أراضٍ لفترات زمنية محددة، وتيسير الإجراءات القانونية والإدارية، وتوفير بنية تحتية متكاملة، مقابل التزام المستثمر الأجنبي ببناء مصانع التكرير والتصنيع داخل الدولة.. ولا تقتصر مكاسب هذا النموذج على العائد المالي فقط، بل تمتد إلى نقل التكنولوجيا والمعرفة الفنية، وتأهيل الكوادر الوطنية، وخلق فرص عمل مستدامة في مجالات التصنيع والإدارة والهندسة والصيانة، فضلًا عن تحقيق عائد اقتصادي يمكن أن يصل إلى نحو 20% من الأرباح، إلى جانب توفير العملة الصعبة وتعزيز القوة الاقتصادية للدولة.

وفي الإطار ذاته، تتيح هذه الاستراتيجية للدول العربية فتح مجال الاستكشاف الجيولوجي المنظم للكشف عن المعادن الطبيعية الكامنة في أراضيها، ضمن شراكات دولية قائمة على شروط سيادية واضحة، أهمها ربط الاستخراج بعمليات التكرير والتخزين والتوزيع محليًا.

ويؤدي هذا الربط إلى الانتقال من نموذج تصدير المواد الخام إلى نموذج صناعي معرفي، يُمكّن الدول العربية من الاندماج الحقيقي في الاقتصاد العالمي، ويعزز من مكانتها الاقتصادية والجيوسياسية في ظل التحولات الدولية المتسارعة المرتبطة بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة.

الليثيوم.. المعدن الذى يتصارع عليه العالم!!
الليثيوم.. المعدن الذى تتهافت عليه الدول

إقرأ أيضًا

مقالات

الدرع التجارى الصامت للصين.. (نظام مدفوعات CIPS)

الدرع التجارى الصامت للصين.. (نظام مدفوعات CIPS)
مقالات

«الطابور».. هو المنتج الفعلى فى لعبة «الذعر التسويقى»!

«الطابور».. هو المنتج الفعلى فى لعبة «الذعر التسويقى»!
مقالات

سوق الديون الأكبر فى العالم هل ينهار؟! (السندات الأمريكية)

سوق الديون الأكبر فى العالم هل ينهار؟! (السندات الأمريكية)
مقالات

الصين بطلة التخزين الاستراتيجى للنفط

الصين بطلة التخزين الاستراتيجى للنفط
مقالات

استقالة فورية من نادى النفوط الملكى «الأوبك بلس»

استقالة فورية من نادى النفوط الملكى «الأوبك بلس»
مقالات

أسطول الأشباح يبحر صامتاً إلى مصافى إبريق الشاى

أسطول الأشباح يبحر صامتاً إلى مصافى إبريق الشاى
مقالات

هرمز.. ليس نفط فقط وإنما تهديد وجودى للأمن الغذائى العالمى!!

هرمز.. ليس نفط فقط وإنما تهديد وجودى للأمن الغذائى العالمى!!
مقالات

الأجندة الترامبية تتلاعب بأسواق الطاقة

الأجندة الترامبية تتلاعب بأسواق الطاقة
مقالات

الصدمة الجيوسياسية تصيب وول ستريت فى مقتل!!

الصدمة الجيوسياسية تصيب وول ستريت فى مقتل!!


الاكثر قراءة
التحرش الاقتصادى العالمى

الدول الكبرى تفرض إرادتها على اقتصادات الدول النامية بالـ«بلطجة» اعتادت أذاننا وأعيننا على سماع وقر...

من أوقع العالم فى فخ الديون التراكمية؟!

تلاشت الأيام وتآكلت المراحل ولاحت آفاق العام الجديد 2026، بينما يستعد العالم لإغلاق دفاتره عن العام...

هل ترتاح الأسواق بعد إنتهاء حفل التخفيض؟!

لاشك أن مآلات المشهد النقدى اليوم بعدما فعلها چيروم وخفض أسعار الفائدة بـ٢٥ نقطة أساس فمن الواضح لم...

«فورى» تبدأ نشاطها فى السعودية قريبا

كشف أشرف صبري رئيس شركة فوري لحلول تكنولوجيا البنوك والمدفوعات الالكترونية ،عن إجراء مفاوضات لإضافة...

الموصى به
من أوقع العالم فى فخ الديون التراكمية؟!

تلاشت الأيام وتآكلت المراحل ولاحت آفاق العام الجديد 2026، بينما يستعد العالم لإغلاق دفاتره عن العام...

التحرش الاقتصادى العالمى

الدول الكبرى تفرض إرادتها على اقتصادات الدول النامية بالـ«بلطجة» اعتادت أذاننا وأعيننا على سماع وقر...

هل ترتاح الأسواق بعد إنتهاء حفل التخفيض؟!

لاشك أن مآلات المشهد النقدى اليوم بعدما فعلها چيروم وخفض أسعار الفائدة بـ٢٥ نقطة أساس فمن الواضح لم...

‎باستثمارات 15 مليون دولار.. مشروع صينى لإنتاج أدوات الإضاءة بالسخنة

وليد جمال الدين: اقتصادية قناة السويس أصبحت الوجهة المثالية للاستثمار بفضل جاهزية البنية التحتية و...

تابعونا


جارٍ التحميل...