د. أحمد آدم

جموح ترامب يدفع العالم لنظام مالى جديد.. والصين تمتطى صهوة النظام العالمى بهدوء 

 

بدأنا هذا العام والذى يمثل منتصف العقد ليفاجئنا ترامب بتسارع للأحداث لم يشهد التاريخ مثيلا له من قبل لقد تحول ترامب لجواد جامح يقود العالم وأمريكا لمصير قد لا يتوقعة أحد، والواقع أن تسارع الأحداث قد انتقل الى الداخل الامريكى منذ اغتيال كيرك فى 10 سبتمبر الماضى وقد تناولت الاخبار خلال الشهر الماضى تهديد الرئيس ترامب بالتدخل في الشأن الداخلي لمدينة نيويورك فيما يتعلق بالمرشح الاوفر حظا للاختيار كعمدة لنيويورك زهران ممدانى وما صاحبه من إشارات لاستخدام الحرس الوطني أو القوات الفيدرالية للتدخل في سياسات المدن الليبرالية الكبرى وهذا يشكل أبعادا خطيرة تتمثل فى: تآكل الديمقراطية بعسكرة السياسة الداخلية وهو ما يناقض جذرياً فكرة الديمقراطية التي طالما افتخر بها المواطنون الأمريكيون.

تصعيد الصراع الوجودى عندما يهدد ترامب بأنه يملك «الحق في فعل ما يشاء إذا شعر أن البلاد في خطر»، فإنه يُضفي شرعية على افعاله، ويثبت أن الخلاف في أمريكا ليس حول سياسة الضرائب أو الهجرة بل حول طبيعة النظام الحاكم نفسه وهل هو نظام حكم دستوري أم حكم الرجل الأوحد؟ ويفتح باب «القوة القاهرة» فتهديداته بالتدخل العسكري والمالي (بقطع التمويل الفيدرالي عن نيويورك) يضع البلاد على حافة استخدام «القوة القاهرة» لتحقيق أهداف سياسية.

التهديدات المستمرة بالتدخل العسكري أو المالي تزيد من الضغط على «الدولة العميقة» لاتخاذ خطوات حاسمة خوفاً من أن يؤدي سلوك ترامب الجامح  إلى «فوضى مدنية» فالجدل حول دونالد ترامب تحوّل إلى صراع وجودي في عمق الدولة الأمريكية ووصل إلى حد محاولات اغتيال متكررة مما يدفعنا إلى التساؤل هل بدأ خيار «التصفية الاستراتيجية» لترامب يفرض نفسه كحل أخير في أروقة الدولة العميقة الأمريكية؟ هذا التصعيد يعني أننا سنغادر مربع التحليل السياسي التقليدي لندخل دائرة الصراع الوجودي الذي يهدد استقرار لا أمة بأكملها بل يُهدد استقرار العالم أجمع. 

أولا: دفع الداخل الامريكى للفوضى والتفكك 

أمريكا تغرق داخليا فى انقسامات عميقة وخطيرة فقد وصل الاستقطاب السياسى إلى ذروته خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات وتزايد الجدل حول أحقية الرئيس ترامب في الترشح لولاية ثالثة وهو ما يواجه رفضاً من بعض القاضيات في المحكمة العليا، هذا التوتر السياسي لم يقتصر على الصالونات الفكرية بل امتد إلى الشوارع حيث شهدت مدن مثل لوس أنجلوس احتجاجات واسعة للمهاجرين تحولت إلى أعمال شغب ومواجهات عنيفة مع قوات الحرس الوطني التي أرسلها الرئيس واصفاً المتظاهرين بـ «العصابات العنيفة».

وفي ذروة هذا المشهد وقعت الحادثة الأكثر دلالة على مدى التدهورالداخلى اذ تم اغتيال تشارلي كيرك الناشط اليميني المقرب من ترامب. هذه الحادثة هزت الأوساط السياسية والإعلامية وأعادت للأذهان سلسلة الاغتيالات السياسية التي شهدتها البلاد في الماضى ما يؤكد أن العنف أصبح أداة في صراع تجاوز كل الحدود.

وفي إشارة رمزية إلى هذا التحول كان ترامب قد أصدر قراراً بتغيير اسم وزارة الدفاع إلى «وزارة الحرب» وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول دلالاته العنيفة وتداعياته على سياسة أمريكا الداخلية والخارجية. وقد بلغت الامور ذروتها بتحولها إلى رفض شعبي واسع تحت شعار «لا للملوك»، حيث خرجت ملايين الأصوات في أكثر من 2700 موقع عبر الولايات الخمسين رفضاً لما يرونه استبداداً كل هذه الأحداث أشارت وبوضوح إلى دخول أمريكا فى مرحلة من عدم الاستقرار السياسى. 

اتساع رقعة الصراع الولائي: لم يقتصر التحدي على نيويورك وحاكمها الجديد (ممداني)، بل توسع ليصبح توبيخاً انتخابياً مباشراً لترامب في ولايات أخرى، أبرزها انتخاب حاكمة ديمقراطية جديدة لولاية فرجينيا، مما يثبت تزايد الأصوات المناهضة لترامب. وتصاعد الصراع الدستوري مع قيام ولاية كاليفورنيا بالرد على مبادرات ترامب في تكساس، عبر التصويت لإعادة رسم دوائرها الانتخابية بما يخدم الديمقراطيين، مؤكداً حرب الإجراءات الدستورية بين الولايات والحكومة الفيدرالية.

الشلل الفيدرالي التام: غرقت واشنطن في إغلاق حكومي فيدرالي رسمي في أكتوبر 2025 نتيجة لـ الخلافات الحزبية الحادة حول تمرير قوانين الإنفاق، مما أدى إلى توقف مئات الآلاف من الموظفين عن العمل وشل القطاعات غير الأساسية. هذا الفشل التشريعي، المترافق مع سعي إدارة ترامب لتنفيذ «مشروع 2025» (الذي يهدف إلى تطهير الجهاز الإداري الفيدرالي من الموظفين غير الموالين)، دفع النظام الأمريكي نحو ما يُعرف بـ«النظام الرئاسي المفرط»، حيث يهيمن الرئيس على مجريات الأمور على حساب التوازن الدستوري.

انقسام اليمين الحاكم: في خضم هذا الشلل، كشفت تصرفات الناشط اليميني المتطرف نيك فوينتس عن خلافات داخلية متفاقمة داخل حركة "ماغا" والحزب الجمهوري الحاكم. فوينتس، بتركيزه على قضايا مثل الصراع مع «الصهيونية المسيحية» ودفع الحركة نحو تطرف جديد، يضيف بعداً آخراً لـ التمزق الأيديولوجي في صفوف داعمي ترامب، بعد حادثة اغتيال تشارلي كيرك ، مما يضعف الجبهة الداخلية للرئيس ويشتت تركيزه عن التحديات الخارجية.

كما ان الفوضى والانقسامات التي يخلقها ترامب بتهديده للولايات الليبرالية مثل كاليفورنيا ونيويورك بقطع التمويل أو التدخل العسكري ترفع منسوب الخلاف الدستوري إلى الخلاف الوجودي والولايات المتحدة نشأت كاتحاد طوعي وعندما يصل الانقسام إلى حد أن يرى المواطنون في ولاية ما أن الحكومة الفيدرالية تهدد وجودهم أو تقوض ديمقراطيتهم المحلية يصبح الحديث عن «الانفصال الودي» أو «الانسحاب» أمراً وارداً كحل أخير للنجاة من فوضى واشنطن.

وهذا السيناريو هو أعلى درجات «التمزق الداخلي»، وهو ما يجعل أمريكا في طريقها لهدم نفسها كـ «أمة» موحدة.

ثانيا: قرارات اقتصادية وتصرفات سياسية تصب فى صالح الصين 

فرض ترامب جولة جديدة من التعريفات الجمركية على سلع قادمة من الصين والاتحاد الأوروبي وهذا رغم علمة بأن هذة الرسوم قد تدفع الصين لتكثيف جهودها فى التصدير للدول العربية فى منطقة الشرق الاوسط وكذا دول الاتحاد الاوروبى بل وكافة دول العالم وهو ما سيدعم من وضع الصين كشريك تجارى مهم ويزيد من قواها الاقتصادية وبالتبعية العسكرية. كما أن الرسوم الجمركية تجعل شركاء أمريكا (مثل المكسيك، فيتنام، وكوريا الجنوبية) يعيدون حساباتهم لضمان استقرار تجارتهم مما يدفعهم لتعميق الشراكات الاقتصادية مع القوى الآسيوية الكبرى وفي مقدمتها الصين.

في قمة الناتو التي عقدت في يونيو هدد ترامب باعادة تقييم التزام الولايات المتحدة تجاه المادة الخامسة من الحلف (الدفاع المشترك) ما لم يرفع الأعضاء إنفاقهم الدفاعي إلى مستويات أعلى بكثير من المتفق عليها مما أحدث حالة من الفوضى والتوتر بين الحلفاء كما يقلل ترامب من شأن المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية مما يؤدي إلى إضعافها وهذا يترك فراغا قد تملؤه قوى أخرى تسعى إلى إعادة تشكيل النظام العالمي بما يخدم مصالحها ولم تنتهى الامورعند هذا الحد فقد التقى ترامب سراً بزعماء بعض الدول فى منطقة الشرق الاوسط مما أثار قلق حلفاء أمريكا التقليديين الذين لم يتم ابلاغهم مسبقا وقد أحدثت هذه الخطوة حالة من عدم اليقين حول اتجاه السياسة الأمريكية في المنطقة وهو ما سيدفع هذة الدول لتعزيز علاقاتها بالصين اقتصاديا وعسكريا غير عابىء بانه يدفع الصين دفعا لتكون قوة عظمى فى النظام العالمى. وبدأت أمريكا تفقد اصدقائها ويتراجع دورها كزعيم للعالم الحر وتصرفات أمريكا  تجاه حلفائها وخصومها قد أثر سلباً على صورتها فى العالم. وجعل من الصعب على أمريكا كسب القلوب والعقول وهو أمر حيوى للحفاظ على نفوذها العالمى.

كما بدات دول عربية فى منطقة الشرق الاوسط تفكر فى ايجاد شريك استراتيجى آخر بخلاف أمريكا وخاصة بعد قيام ترامب بالتدخل بضرب المنشات النووية الايرانية وبقوة تدميرية هائلة وهو تصعيد خطير هدد أمن المنطقة بأكملها. وخشيت الحكومات العربية أن تتحول المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة أو حرب مفتوحة، خاصة وأن العديد من القواعد الأمريكية في المنطقة قد تكون هدفا في أي تصعيد مستقبلي.

لقد بدأت القوى الإقليمية الرئيسية بمنطقة الشرق الاوسط في تأمين نفسها وأبرزها المملكة العربية السعودية والتي تحركت نحو «انسحاب ناعم» من تحت العباءة الأمريكية عبر بناء تحالف دفاع مشترك مع باكستان يوفر غطاء نووياً غير معلن لضمان استقلال قرارها السيادى في مواجهة التهديدات.

وهذا التحالف يمثل في جوهره تحالفاً استراتيجياً مع الصين والمملكة وستتبعها دول مجلس التعاون الخليجى وهو ما يعني تعزيز محور الشرق (الصين، روسيا، الهند) ويترجم إلى ثمن وجودي لأمريكا يتمثل في:

  • فقدان الدول القادرة على شراء ديون أمريكا، فقدان استخدامها كمسكن لأسعار النفط وتخفيضها وقت الأزمات.
  • خسارة قواعد عسكرية استراتيجية هي الأقرب الآن للصين وإيران وأفغانستان.
  • ونلفت الانتباه الى أن هذه الفترة شهدت تعزيز نفوذ مجموعة «بريكس بلس» مع انضمام أعضاء جدد (منهم مصر والإمارات والسعودية وإيران) مما يوفر منصة للتعاون الاقتصادي والسياسي بعيدًا عن الهيمنة الامريكية.
  • ومن هنا تستطيع أن نؤكد بأن عودة ترامب للرئاسة قد أدت بالفعل الى تسارع في إعادة تشكيل التحالفات الدولية ودفع الدول نحو تبني سياسات أكثر استقلالية وتنوعًا في شراكاتها الاستراتيجية بحثًا عن الأمن والمصالح في عالم يتغير بسرعة.

ثالثاً: الجموح يولد الانفصال: التفكك الأيديولوجي والتهيئة الشعبية العالمية

إن ما يراه العالم من ممارسات إسرائيلية مدعومة بشكل كامل ومطلق من الرئيس ترامب في سياق القضية الفلسطينية، قد أحدث صدعاً أيديولوجياً لايمكن ترميمه. هذا الانحياز خاصة في ظل مشاهد العنف المتداولة ولد نفوراً شعبياً عميقاً من «العباءة الأمريكية» عالمياً.

الغطاء الأخلاقي لأوروبا:  تجد دول أوروبية خاصة في المعسكر الاشتراكي السابق حيث الاستياء التاريخي من الهيمنة الأحادية لا يزال حاضراً في القضية الفلسطينية الأساس الأخلاقي والشعبي الذي طال انتظاره للانفصال عن واشنطن. هذا النفور الشعبي يمنح تلك الحكومات الذريعة اللازمة لـ إعادة توجيه تحالفاتها نحو قوى قادرة على تحدي القيادة الأمريكية وقد يدفعها للتحالف المباشر أو غير المباشر مع روسيا وتشكيل محور جديد. ورغم أن معاهدة غزة هدأت التوترات مؤقتاً فإن تحرش نتنياهو المستمر بحماس وخرقه للاتفاقيات يجعل من تجدد المظاهرات الأوروبية الهادرة ضد ترامب أمراً وشيكاً.

خسارة القواعد والنفط:  في العالم العربي أشعل وقوف ترامب المطلق بجانب إسرائيل غضباً شعبياً مكبوتاً في دول الخليج . هذا الغضب يمثل خطراً وجودياً على قيادات هذه الدول في ظل وجود معارضين جاهزين للانقضاض على كراسي الحكم. يضع هذا الموقف قادة الخليج أمام خيارين: إما السماح بمظاهرات حاشدة لتوجيه الغضب نحو ترامب ونتنياهو (مما يؤدي استراتيجياً إلى فقدان أمريكا لقواعدها العسكرية التي تضمن وجودها في المنطقة) أو اتخاذ خطوات تصعيدية. إن فقدان القواعد العسكرية يعني تراجع النفوذ العسكري الأمريكي بشكل شبه كامل لصالح الصين في المنطقة وهي سيطرة على أهم مصادر الطاقة في العالم. هذه الورقة الاستراتيجية التي لم يتم تفعيلها بعد بشكل كامل يمكن أن يتم استخدامها حال قيام نتنياهو بنقض اتفاقية غزة أو معاودة ضرب إيران، وهما أمران غير بعيدان عن التحقق.

رابعا: تفكيك النظام المالى العالمى الذى تقوده واشنطن 

لم يكن «جموح ترامب» وعودة الشلل الفيدرالي في 2025 مجرد صراعات داخلية، بل كانت بمثابة "الضوء الأخضر" للقوى المناوئة في الخارج لتسريع وتيرة تفكيك النظام المالي العالمي الذي تقوده واشنطن. وتتجسد هذه القوة في تحركات الصين الاستراتيجية على ثلاثة مسارات.

بريكس الحزام المالي الجديد: يعمل تكتل البريكس (الذي يضم أكبر دول العالم إنتاجاً واستهلاكاً للطاقة والبضائع)، على بناء نظام مالي موازٍ يهدف إلى إنهاء هيمنة الدولار. وقد أثار قرار ضم دول محورية كالمملكة العربية السعودية مخاوف عميقة في واشنطن، إذ يُنظر إليه عالمياً على أنه حدث فاصل سيعيد تشكيل الاقتصاد.وتُشكل دول البريكس تحدياً مباشراً عبر توجيه التجارة البينية نحو التسوية بالعملات المحلية (اليوان الصيني والرنمينبي)، مما يضعف الطلب العالمي على الدولار الأمريكي.

الذهب الصيني الجديد السلاح ضد الهيمنة النقدية: في ظل تراجع الدولار، تحولت الصين ببراعة إلى ورقة الذهب الرابحة، فقد عززت بكين استراتيجيتها طويلة الأمد بتحويل الذهب إلى أداة سيادية، ونجحت في أن يقفز سعر المعدن النفيس إلى مستويات قياسية (متجاوزاً 4000 دولار للأونصة في 2025). وتسعى بكين لتحويل بورصة شنغهاي للذهب إلى مركز عالمي وإغراء البنوك المركزية والاحتياطيات السيادية لتخزين ذهبها في الصين، وهو ما يعزز نفوذ اليوان في تسعير الذهب الإقليمي والعالمي، ويشجع على نظام مالي متعدد الأقطاب لا يعتمد على الدولار.

- شرط السقوط الأكبر: تفعيل التوجه السعودي (نهاية البترودولار): إن النقطة المحورية في هذه الاستراتيجية هي الموقف السعودي المؤكد. فقد شكّلت اتفاقية البترودولار (1974-2024)، التي تُلزم المملكة ببيع النفط مقابل الدولار، الركيزة الأساسية لهيمنة العملة الأمريكية، في 9 يونيو 2024، انتهى أجل هذه الاتفاقية التي دامت 50 عاماً، ولم تُجدد، مما أزال الغطاء القانوني الرسمي عن احتكار الدولار في أكبر سوق طاقة عالمي.

هذا التطور الحاسم، المترافق مع تفعيل توجه الرياض نحو الانضمام إلى البريكس والشرق في ظل تزايد الخلافات مع واشنطن، يعني عملياً أن شرط «تحطيم البترودولار» قد تحقق، إن بيع النفط السعودي بعملات أخرى غير الدولار (مثل اليوان أو عملة بريكس محتملة)، وهو ما يعني إزالة الحاجة العالمية لاحتياطي الدولار لتمويل التجارة النفطية، وهو ما يسرّع بشكل هائل من انهيار قيمة الدولار ودوره كعملة احتياطي عالمي، ويمكّن الصين من امتطاء صهوة النظام العالمي مالياً دون مقاومة تُذكر من واشنطن المنشغلة بتفككها الداخلي. 

إن الخلاصة الحتمية للأحداث المتسارعة منذ سبتمبر الماضى  هي أن الانخفاض المؤكد لقيمة الدولار الأمريكي بات حقيقة واقعة لا مفر منها، نتيجة للشلل الفيدرالي في واشنطن والتهديد الخارجي بتحطيم ركيزة البترودولار. وعليه، فإن التحذير الموجّه الآن لم يعد مقتصراً على ضرورة الابتعاد عن الدولار، بل يتطلب إعادة تعريف جذري لمفهوم «الاحتياطي الدولي» نفسه.

يقع على عاتق الدول حول العالم، خاصة النامية التي تُقوَّم ثرواتها وخططها التنموية بالدولار، ويجب سرعة الدراسة الناجزة لكيفية حماية احتياطياتها من التآكل المؤكد. وهذا يتطلب التحول السريع والمنهجي من النظام القديم إلى نموذج جديد يتميز بـ التنويع المُركَّب، يشمل:

سلة عملات جيوسياسية: تجاوز سلة العملات التقليدية (اليورو، الين، الجنيه الاسترلينى) نحو سلة تضم عملات التكتلات الصاعدة الفاعلة في التجارة العالمية، وأبرزها اليوان الصيني وربما عملة البريكس قيد الإنشاء.

أصول صلبة: عدم الاكتفاء بالذهب فقط، بل التوسع ليشمل سلة من السلع الاستراتيجية (كالطاقة والمعادن النادرة) التي تُسعَّر بالعملات المحلية أو اليوان، مما يحوّل الاحتياطي من مجرد مخزون نقدي إلى ضمان لسلاسل الإمداد الوطنية.

آليات الدفع السيادية:  تقليل الاعتماد على أنظمة المقاصة الغربية (مثل سويفت) وتفعيل التبادل عبر أنظمة دفع محلية أو تكتلية، مثل نظام CIPS الصيني، لضمان عدم تجميد الأصول في حال نشوب أزمة جيوسياسية مع الولايات المتحدة.

إن هذا التحوّل لم يعد خياراً اقتصادياً، بل متطلباً للسيادة والأمن القومي، وستكون الدول التي تتبنى هذا التغيير الاستراتيجي هي الأقل تضرراً والأكثر استعداداً لـ النظام العالمي متعدد الأقطاب الذي تمتطي الصين صهوته بهدوء وثقة.

النتيجة الكبرى: إن الأحداث المتزامنة في نوفمبر 2025 تضع العالم أمام حقيقة لا تقبل الجدل: لقد انهار النظام العالمي المُنظَّم الذي تقوده واشنطن. فالجموح الداخلي لترامب لم يشل واشنطن سياسياً فحسب، بل مهّد الطريق لانهيار ركيزتين أساسيتين للنفوذ الأمريكي:

الركيزة السياسية/الشعبية: حيث دفعت التهيئة الشعبية العالمية الشاملة التي ولدتها سياسات ترامب الحكومات للخروج من تحت الوصاية الأمريكية إلى الصين، بينما يهدد التفكك الداخلي والمطالبة بالاستقلال الولايات المتحدة بالتفكك.

الركيزة المالية/الاقتصادية: حيث تم تفكيك النظام المالي العالمي بشكل فعلي عبر عدم تجديد اتفاقية البترودولار، مما سيسمح لتكتل البريكس والصين بإطلاق ثقلها المالي المدعوم بالذهب الجديد  معلنة نهاية هيمنة الدولار. وفي هذا المسار يصبح التحول الاستراتيجي للدول نحو إعادة هيكلة احتياطياتها الدولية عبر التنويع المُركَّب بين العملات الصاعدة و«الأصول الصلبة»، متطلباً للسيادة والأمن القومي وليس مجرد خيار اقتصادي.

إن التفكك الداخلي الأمريكي سمح لروسيا والصين بتحقيق هدف استراتيجي مزدوج تمثل فى استنزاف الخصم من الداخل، وتغيير النظام النقدي العالمي من الخارج، وهذه هي اللحظة التي تمتطي فيها الصين صهوة النظام العالمي الجديد بهدوء وثقة.

 

جموح ترامب يدفع العالم لنظام مالى جديد.. والصين تمتطى صهوة النظام العالمى بهدوء 
دونالد ترامب

كلمات البحث

إقرأ أيضًا

مقالات

الدرع التجارى الصامت للصين.. (نظام مدفوعات CIPS)

الدرع التجارى الصامت للصين.. (نظام مدفوعات CIPS)
مقالات

«الطابور».. هو المنتج الفعلى فى لعبة «الذعر التسويقى»!

«الطابور».. هو المنتج الفعلى فى لعبة «الذعر التسويقى»!
مقالات

سوق الديون الأكبر فى العالم هل ينهار؟! (السندات الأمريكية)

سوق الديون الأكبر فى العالم هل ينهار؟! (السندات الأمريكية)
مقالات

الصين بطلة التخزين الاستراتيجى للنفط

الصين بطلة التخزين الاستراتيجى للنفط
مقالات

استقالة فورية من نادى النفوط الملكى «الأوبك بلس»

استقالة فورية من نادى النفوط الملكى «الأوبك بلس»
مقالات

أسطول الأشباح يبحر صامتاً إلى مصافى إبريق الشاى

أسطول الأشباح يبحر صامتاً إلى مصافى إبريق الشاى
مقالات

هرمز.. ليس نفط فقط وإنما تهديد وجودى للأمن الغذائى العالمى!!

هرمز.. ليس نفط فقط وإنما تهديد وجودى للأمن الغذائى العالمى!!
مقالات

الأجندة الترامبية تتلاعب بأسواق الطاقة

الأجندة الترامبية تتلاعب بأسواق الطاقة
مقالات

الصدمة الجيوسياسية تصيب وول ستريت فى مقتل!!

الصدمة الجيوسياسية تصيب وول ستريت فى مقتل!!


الاكثر قراءة
التحرش الاقتصادى العالمى

الدول الكبرى تفرض إرادتها على اقتصادات الدول النامية بالـ«بلطجة» اعتادت أذاننا وأعيننا على سماع وقر...

من أوقع العالم فى فخ الديون التراكمية؟!

تلاشت الأيام وتآكلت المراحل ولاحت آفاق العام الجديد 2026، بينما يستعد العالم لإغلاق دفاتره عن العام...

هل ترتاح الأسواق بعد إنتهاء حفل التخفيض؟!

لاشك أن مآلات المشهد النقدى اليوم بعدما فعلها چيروم وخفض أسعار الفائدة بـ٢٥ نقطة أساس فمن الواضح لم...

«فورى» تبدأ نشاطها فى السعودية قريبا

كشف أشرف صبري رئيس شركة فوري لحلول تكنولوجيا البنوك والمدفوعات الالكترونية ،عن إجراء مفاوضات لإضافة...

الموصى به
من أوقع العالم فى فخ الديون التراكمية؟!

تلاشت الأيام وتآكلت المراحل ولاحت آفاق العام الجديد 2026، بينما يستعد العالم لإغلاق دفاتره عن العام...

التحرش الاقتصادى العالمى

الدول الكبرى تفرض إرادتها على اقتصادات الدول النامية بالـ«بلطجة» اعتادت أذاننا وأعيننا على سماع وقر...

هل ترتاح الأسواق بعد إنتهاء حفل التخفيض؟!

لاشك أن مآلات المشهد النقدى اليوم بعدما فعلها چيروم وخفض أسعار الفائدة بـ٢٥ نقطة أساس فمن الواضح لم...

‎باستثمارات 15 مليون دولار.. مشروع صينى لإنتاج أدوات الإضاءة بالسخنة

وليد جمال الدين: اقتصادية قناة السويس أصبحت الوجهة المثالية للاستثمار بفضل جاهزية البنية التحتية و...

تابعونا


جارٍ التحميل...