التضخم.. شبح يطارد المجتمع المصرى
يواجه الاقتصاد المصرى تحديات ضخمة خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت أسعار السلع والخدمات إلى شبح يطارد الأسر المصرية، خاصة ذات الدخل المحدود، فالتضخم لم يعد مجرد رقم إحصائى تتداوله المؤسسات الحكومية، بل أصبح واقعاً يومياً يعيشه ملايين المصريين فى أسواق الخضروات، ومحطات الوقود، وفواتير الكهرباء والمياه والغاز.
جميعا نعلم أن الأزمات العالمية المتتالية من كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية وصولا إلى حرب غزة ورسوم ترامب الجمركية كل هذه العوامل أدت إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة القمح والوقود اللذين نعتمد على استيرادهما بشكل كبير، علاوة على تراجع الجنيه المصرى أمام الدولار، بسبب تحرير سعر الصرف الثابت وتحوله إلى نظام العرض والطلب استجابة لصندوق النقد الدولى، وهذا التحرير، رغم ضرورته الاقتصادية، إلا أنه أدى إلى ارتفاع كبير فى أسعار السلع المستوردة، وبالتالى انعكس على كافة السلع والخدمات فى السوق المحلى.
شهدت معدلات التضخم فى مصر قفزات غير مسبوقة، فقد تجاوزت معدلات التضخم السنوية حاجز ٪30 فى بعض الفترات، وهو معدل يعد الأعلى فى تاريخ الاقتصاد المصرى الحديث، وبينما تشير الأرقام الرسمية المعلنة إلى مؤشرات أخرى، يشعر المواطن البسيط أن التضخم الفعلى الذى يعيشه فى حياته اليومية يفوق هذه الأرقام بكثير، مما جعل تأمين الوجبات الأساسية تحدياً حقيقياً للأسرة المصرية لأن السلع الغذائية تمثل الجزء الأكبر من إنفاق الأسر محدودة الدخل.
وخلف هذه الأرقام، تكمن قصص إنسانية مؤلمة لملايين المصريين، الموظف البسيط الذى يتقاضى راتباً ثابتاً يجد نفسه عاجزاً عن تلبية احتياجات أسرته الأساسية، والعامل باليومية يكافح لتوفير وجبة واحدة تكفى جوع أطفاله، والمتقاعد الذى يعتمد على معاش ثابت يرى قوته الشرائية تتآكل شهراً بعد شهر، كما أنه أصبح غير قادر صحّيا على أداء عمل إضافى لتحسين معيشته وتوفير الحد الأدنى لغذائه ودوائه.
أصبحت الأسرة المصرية مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها بشكل جذرى، فالتعليم الجيد والرعاية الصحية اللائقة والترفيه البسيط تحول إلى رفاهيات لا يمكن تحملها، حتى السلع الغذائية الأساسية باتت تخضع لحسابات دقيقة، حيث تلجأ كثير من الأسر إلى تقليل الكميات المستهلكة أو الاستعاضة عن السلع الجيدة بأخرى أقل جودة.
ولايقتصر تأثير التضخم على الجانب المادى فحسب، بل يمتد إلى التركيبة الاجتماعية والحالة المزاجية والسلام المجتمعى للمصريين، فقد ارتفعت معدلات التوتر والقلق، وزادت الضغوط النفسية على الآباء والأمهات لتوفير حياة كريمة لأبنائهم، كما تراجعت معدلات الزواج وزادت حالات الطلاق، إلى جانب تسريح نسبة من العمالة لانخفاض القدرة الشرائية وركود الأسواق، وارتفعت أيضا معدلات البطالة و الجريمة والنصب الالكترونى، والتسول فى الشوارع، واتجاه فاقدى الأمل إلى الانتحار بسبب الضغوط الاقتصادية ..فالطبقة المتوسطة التى تمثل العمود الفقرى للمجتمع المصرى، تعرضت لتآكل كبير، والعديد من أفرادها انزلقوا إلى شريحة محدودى الدخل.
ورغم ذلك تحاول الحكومة التعامل مع أزمة التضخم من خلال عدة آليات، منها زيادة الحد الأدنى للأجور، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية «تكافل وكرامة»، والحفاظ على دعم الخبز والوقود والسلع الأساسية، كما تسعى إلى تشجيع الإنتاج المحلى وتقليل الاعتماد على الواردات، وتطوير القطاع الزراعى لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتى من السلع الاستراتيجية، إلى جانب تشديد الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
التضخم ليس مجرد تحدٍ اقتصادى للحكومة، بل هو أزمة إنسانية واجتماعية، لأن المواطن البسيط هو الذى يتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمة، ويحتاج إلى إجراءات حقيقية وفعالة تخفف من معاناته اليومية وتعيد له الأمل فى مستقبل أفضل.
إن حماية المواطن البسيط من تداعيات التضخم ليست مجرد واجب اقتصادى، بل هى مسؤولية إنسانية لا يمكن التنازل عنها، وستحدد مستقبل الأجيال القادمة.
معدلات التضخم فى مصر شهدت قفزات غير مسبوقة