التحرش الاقتصادى العالمى
الدول الكبرى تفرض إرادتها على اقتصادات الدول النامية بالـ«بلطجة»
اعتادت أذاننا وأعيننا على سماع وقراءة لفظ التحرش سواء كان جنسيا أو لفظيا، خصوصا مع انتشار حوادث التحرش بالأطفال مؤخرا فى بعض المدارس الدولية والتجمعات الرياضية، وتحولت هذه الحوادث إلى قضايا وتم ضبط الجناة ومحاكمتهم.. ولكن هنا نتحدث عن مصطلح جديد إعلاميا لم تسمعه أو تقرأه من قبل وهو التحرش الاقتصادى!!!... نعم كما قرأت «تحرش اقتصادى».
..ففى مشهد عالمى بائس تتحكم فيه الدول الكبرى بموازين القوى الاقتصادية العالمية، تعانى الدول النامية من أشكال متعددة من الضغوط والتبعية الاقتصادية التى يمكن وصفها بأنها «تحرش اقتصادى».. وأحيانا «بلطجة» مثلما حدث مؤخرا مع ناقلة النفط التى صادرتها الولايات المتحدة قبالة سواحل فنزويلا وكانت من الحكومة الفنزويلية لدعم كوبا.
وتأخذ سياسات الهيمنة الاقتصادية أشكالاً عديدة، بدءاً من السياسات النقدية للدول الصناعية الكبرى التى تسبب تقلبات مفاجئة فى أسعار العملات وأسواق المال العالمية، مما يؤثر بشكل غير متكافئ على اقتصادات الدول النامية الأكثر هشاشة، وأيضاً الشروط المجحفة للقروض والمساعدات الدولية التى تُفرض على الدول النامية، والتى غالباً ما تتضمن سياسات تقشفية تزيد من معدلات الفقر وتقلص الدعم والخدمات الأساسية.. وهذا بدوره يجعل الاقتصاد رهينة للتقلبات العالمية وخاضعاً لإرادة الدول المهيمنة.
ويظهر هذا التحرش الاقتصادى جلياً فى المواثيق التجارية غير المتكافئة التى تفتح أسواق الدول النامية أمام منتجات الدول الكبرى بينما تحافظ الأخيرة على حواجز تجارية تحمي صناعاتها، كما تتجسد فى السيطرة التكنولوجية واحتكار المعلومات المتطورة الذى يحول الدول النامية إلى مستهلكين دائمين لا منتجين، كما أن هيمنة الشركات متعددة الجنسيات على الأسواق تقضى على فرص المنافسة للشركات المحلية الناشئة.
ويؤدى التحرش الاقتصادى العالمى إلى إدامة الفقر وتعميق الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، ويساهم فى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وتآكل الطبقة المتوسطة، مما يهدد الاستقرار الاجتماعى للدول النامية.
وتتطلب مواجهة التحرش الاقتصادى العالمى تعزيز التكامل الاقتصادى بين الدول النامية واتباع سياسات اقتصادية ذكية تحقق أكبر قدر من الاستقلالية وتقلل الاعتماد على الخارج، ويجب أن تشمل هذه السياسات دعم الصناعة المحلية، وتنويع الشركاء التجاريين، وتطوير التكنولوجيا الوطنية، وإصلاح النظام التعليمى لمواكبة متطلبات العصر، وهو ما تقوم به الحكومة المصرية من توطين بعض الصناعات الثقيلة ومصانع السيارات والهواتف المحمولة لدعم الصناعة المحلية، وتوفير فرص عمل للشباب، وتقليل الطلب على الدولار، وبالتالى رفع قيمة الجنيه.
كما أن الرئيس عبد الفتاح السيسى يتابع بنفسه إدراج البرمجة والذكاء الاصطناعى فى المناهج لمستقبل رقمى لطلاب مصر، واستقبل الأسبوع الماضى مجموعة من خبراء التعليم اليابانيين لتطوير المدارس وتعزيز جودة التعليم.
التحرش الاقتصادى العالمى ليس قدراً محتوماً.. بل هو نتيجة لموازين قوى قابلة للتغيير فى أى لحظة.. والتحدى الأكبر للدول النامية هو كيفية تحويل التهديدات إلى فرص، والاعتماد على الذات مع الانفتاح المدروس على العالم، والسعى لبناء نظام اقتصادى ذكى ومتطور وأكثر عدالة.. وليس متحرشا.